اخبار اخرى
أسطورة إختطاف المسيحيات: وقود لتحريك الفتنة ونقطة هشة في الأمن القومي المصري  
كلام الحريري... لمدّ اليد أم لقطع التواصل مع "حزب الله"؟  
ردا على حملة تشوية سمعته: البرادعي يلوح بالعصيان المدني في حال لم يستجب النظام الحاكم لمطالب التغيير  
رضوان لـ"الرأي نيوز": السلطة تريد إجتثات حماس من الضفة وتعتقل خيرة أبنائها  
الوزير عبّود لـ"الرأي نيوز": السياحة نمت بنسبة 22%... وشوراع بيروت أكثر أمناً من شوراع نيويورك  
تعيد نشر الحوار معه بمناسبة إحالته لمحكمة الجنايات... حمدي قنديل لـ "الرأي نيوز": الحكومة المصرية طاردتني حتى ليبيا وتسببت بايقاف برنامجي مرة أخرى  
ملفات
 
08/02/10 GMT 3:27 AM
خاص
"لماذا تركت الحصان وحيداً" على مسرح بابل في بيروت.. جواد الأسدي يُمسرح محمود درويش
 
بيروت – حسين حيدر: مسرحة الشعر ليست مسألة سهلة. هناك خطورة في أن يقع العرض المبني على الشعر في فخ الترجمة المباشرة لمعاني الكلمات ومقاصدها. في المقابل، هناك خطورة مماثلة في الابتعاد عن هذه المعاني وتجريد الشعر من طاقته اللغوية والكلامية لصالح التعبير المسرحي.
هذا ما يخطر في بال المشاهد الداخل إلى عرض "لماذا تركت الحصان وحيداً" (سينوغرافيا وإخراج: جواد الأسدي) الذي بدأت عروضه مساء لخميس الماضي على خشبة مسرح "بابل" في بيروت. ولكن هذه الفكرة سرعان ما تتلاشى ما إن يبدأ العرض الذي يأخذنا إلى منطقة أخرى غير متوقعة.
لم يُكثر جواد الأسدي من حضور درويش اللغوي في العرض. استخدم مقطعين من قصيدة "جدارية"، وقصيدة "لماذا تركت الحصان وحيداً" التي حمل الديوان، والعرض نفسه، عنوانها. القصد أن العرض لم يكن محكوماً بالنص أو بالحوار فقط. النص أساسي وجوهري طبعاً، ولكنه يتحول إلى ذريعة لابتكار لغة أخرى للعرض. لغة مصنوعة من المعاني المدسوسة في ثنايا الكلام ومن حركة الممثلين والتصور الإخراجي وعناصر العرض الأخرى.
إذن، بقليلٍ من اللغة وكثيرٍ من التعبير المسرحي، أنجز المخرج العراقي العرض، واستثمر فيه المناخات والأجواء العنيفة والقاسية التي رافقت مسيرته الإخراجية. لم يكن الأسدي يحتاج أصلاً إلى بذل جهدٍ كبير أو مفتعل من أجل نقل الحالة الدرويشة ووضعها على منصته هو. لقد اختار "الجدارية"، وهذا يعني أنه ذهب إلى تجربة الموت التي خلَّدها محمود درويش استناداً إلى تجربة شخصية عانق فيها الموت إثر عملية في القلب ولكنه عاد منها حياً. هكذا، بات الموت بطلاً للعرض القائم على استحضار ذكرى الشاعر الراحل. الموت، بدوره، يستحضر مناخاته ومعانيه المعلنة والخفية.
ثلاثة ممثلون هم: ياسمين حمدان، بسام أبو ذياب، وعبدو شاهين. وسينوغرافيا مؤلفة من جدارين معدنيين على جانبي الخشبة، وجدار ثالث صاعد إلى الأعلى ملتقياً بسقف الخشبة.


نلاحظ نوعاً من الأسلبة في أشكال الممثلين المصبوغة وجوههم وأياديهم وأجزاء من ثيابهم وأجسادهم. هناك إيحاءات قوية تقنعنا أن ما نراه يجري في العالم الاخر. يبدأ العرض بياسمين حمدان وهي تتلو سطوراً من "الجدارية"، ثم تنتقي منها عبارة "صبُّوني في حرف النون" وتحوِّلها إلى جملة لحنية ستستخدمها أكثر من مرة في مفاصل ومنعطفات عديدة من العرض. تجربة حمدان في الغناء تساعدها على ملء دورها بطريقة مختلفة، إضافة إلى أن الأسدي استطاع أن يُدخلها إلى مساحة جديدة لم يسبق لها أن خاضت فيها، والحصيلة هي أننا أمام أداء طازج لممثلة لا نعرف الكثير عن قدراتها وخلفيتها المسرحية والتعبيرية. رهان الأسدي طاول زميلي حمدان في العمل أيضاً. كأن الأسدي اختار فريقاً قليل الخبرة في المسرح أو لم تُستعمل ذاكرته الأدائية بكثرة لكي يقطف لحظاتٍ مسرحية وتعبيرية مسجلة باسمه هو. والحال أنه نجح إلى حد كبير في وضع ممثليه وأجسادهم وأصواتهم داخل نبرته الإخراجية. ثمة ذكاء واضح في هذا الخيار. تصلنا مذاقات وتحديات هذا الخيار، ونفكر أن الأسدي كان سيلجأ إلى فريق آخر من الممثلين لو كان يعمل على مسرحية عادية. كأنه يقول لنا إن الشغل على الشعر يحتاج إلى مقاربات لا تشبه ما اعتدناه في شغله المسرحي الطويل. رغم ذلك، لا يبتعد صاحب " حمَّام بغدادي" عن ممارساته الإخراجية التي عُرف بها. الموت الدرويشي والتراجيديا الفلسطينية المصاحبة لشعره يشتغلان هنا في خدمة هذه الممارسات التي تربَّت في مسرح القسوة والهذيان الجسدي والتفجّر الأدائي والتصاعد الدرامي والغنائي. الموت هنا هو أحد المفاهيم الجوهرية في شغل الأسدي الذي يحبِّذ العمل على الحافة الخطرة للأشياء. هناك دوماً لحظة مفصلية كبرى في أعماله. لنتذكر: "رأس المملوك جابر" و"الاغتصاب" و"خيوط من فضة" و"نساء الساكسفون" ... إلخ، حيث المراهنة على منعطفٍ ما في فكرة العرض المسرحي. منعطف تدور حوله مصائر الشخصيات وتتبدل أحوالهم بطريقة دراماتيكية.
"لماذا تركت الحصان وحيداً؟؟"، سأل محمود درويش أباه في القصيدة، وهم يستعدون لترك بيتهم في فلسطين صوب بلاد الشتات واللجوء. يُعيد الأسدي السؤال نفسه أمامنا على المسرح، وكأن المطلوب من درويش الغائب أن يُجيب على السؤال. أما مقاطع "الجدارية"، فتعيد أمام الجمهور تلك النبرة الجنائزية المتدفقة التي كتب بها درويش عمله الشعري الأكثر صعوبة على صعيد البناء والشكل والموضوع.

الجدران المعدنية كانت ترجمة موفقة لبرودة الموت. تارةً كانت تبدو مثل مشرحة أو ثلاجة للموتى، خصوصاً أثناء استعمال الممثلين الثلاثة للنوافذ المغلقة فيها. وتارة كانت تتحول إلى مساحات للانتظار. الجدار الصاعد في عمق الخشبة بدا مثل جلجلة لا تنتهي. يصعدها الممثل ولا يصل إلى نهايتها. عبث الوجود والفناء يتكرر في تلك المحاولات اليائسة للنجاة. الجدران كانت تصنع صندوقاً مفتوحاً، والممثلون الثلاثة كأنهم في الممر الذي يفصل الحياة عن العالم الآخر. هلوسات الممثلين وأداؤهم الهستيري. التوابيت الخشبية. موسيقى كريستوف بندرسكي ذات الإيقاعات الجحيمية والصادمة. الخشبة المعتمة طوال وقت العرض. الطابع الموجع والندبي المتكرر لغناء ياسمين حمدان. الحركة المتسارعة لزمن العرض ... الملابس والإكسسوارات المبتكرة والكابوسية (تصميم نادين جمعة التي سبق لها العمل مع الأسدي كممثلة) كل ذلك جعل العمل يبدو أشبه بحالة طقوسية غامضة. عدم الالتزام الحرفي بالقصائد منح الممثلين حرية واسعة في الارتجالات المضبوطة من قبل المخرج.
باختصار، يقترح جواد الأسدي معجماً تعبيرياً ومسرحياً موازياً للمعجم الشعري الذي اقترحه محمود درويش في شعره. هكذا، كان المسرح يغتني بالنص الشعري، والشعر يغتني بإمكانيات المسرح.






 Facebook   Delicious   Digg   reddit   StumbleUpon ارسل هذا الموضوع
تعليقات القراء
awesome 15/02/10
GMT 12:24 PM

  aya cheaito
cette piece est extremement profonde et symbolique, elle explore la souffrance et l'emprisonnement...it was extremely awesome ...we can only expect that from Jawad Al Asadi
 
لاضافة تعليق، اضغط هنا
© جميع الحقوق محفوظة للرأي نيوز 2006 - 2010
 برعاية